الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
13
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
المشعر بالفضيلة والشرف ، فيكون يعقوب هو إسرائيل ؛ كأنه قال : ويرث من آل إسرائيل ، أي حملة الشريعة وأحبار اليهودية كقوله تعالى : فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ [ النساء : 54 ] ، وإنما يذكر آل الرجل في مثل هذا السياق إذا كانوا على سننه ، ومن هذا القبيل قوله تعالى : إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ [ آل عمران : 68 ] وقوله : ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ [ الإسراء : 3 ] ، مع أن الناس كلهم ذرية من حملوا معه . ويجوز أن يراد يعقوب آخر غير إسرائيل . وهو يعقوب بن ماثان ، قاله : معقل والكلبي ، وهو عمّ مريم أخو عمران أبيها ، وقيل : هو أخو زكرياء ، أي ليس له أولاد فيكون ابن زكرياء وارثا ليعقوب لأنه ابن أخيه ، فيعقوب على هذه هو من جملة الموالي الذين خافهم زكرياء من ورائه . [ 7 - 8 ] [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 7 إلى 8 ] يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا ( 7 ) قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا ( 8 ) مقول قول محذوف دلّ عليه السياق عقب الدعاء إيجازا ، أي قلنا يا زكرياء إلخ . . . والتبشير : الوعد بالعطاء . وفي الحديث : « أنّه قال للأنصار فأبشروا وأمّلوا » ، وفي حديث وفد بني تميم : « اقبلوا البشرى ، فقالوا بشرتنا فأعطنا » . ومعنى اسْمُهُ يَحْيى سمّه يحيى ، فالكلام خبر مستعمل في الأمر . والسّميّ فسروه بالموافق في الاسم ، أي لم نجعل له من يوافقه في هذا الاسم من قبل وجوده . فعليه يكون هذا الإخبار سرا من اللّه أودعه زكرياء فلا يظن أنه قد يسمّي أحد ابنه يحيى فيما بين هذه البشارة وبين ازدياد الولد . وهذه منّة من اللّه وإكرام لزكرياء إذ جعل اسم ابنه مبتكرا ، وللأسماء المبتكرة مزيّة قوّة تعريف المسمى لقلّة الاشتراك ، إذ لا يكون مثله كثيرا مدّة وجوده ، وله مزية اقتداء الناس به من بعد حين يسمون أبناءهم ذلك الاسم تيمّنا واستجادة . وعندي : أن السّميّ هنا هو الموافق في الاسم الوصفي بإطلاق الاسم على الوصف ، فإن الاسم أصله في الاشتقاق ( وسم ) ، والسمة : أصلها وسمة ، كما في قوله تعالى : لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى [ النجم : 27 ] ، أي يصفونهم أنهم إناث ، ومنه قوله